شارك رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، مساء اليوم الأحد، في الاحتفال الذي أقامته سفارة جمهورية الصين الشعبية في المملكة العربية السعودية الشقيقة، بمناسبة الذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، والذكرى الـ 70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية اليمنية وجمهورية الصين الشعبية.
وفي الإحتفالية القى رئيس مجلس النواب كلمة.. فيما يلي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة القائم بأعمال سفارة جمهورية الصين الشعبية
الأخ الدكتور يحيى الشعيبي، مدير مكتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي…
الاستاذ عبدالوهاب الآنسي، مستشار رئيس الجمهورية أمين عام التجمع اليمني للإصلاح…
بداية، أنقل إليكم تحيات فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد محمد العليمي، وأعضاء مجلس القيادة، ورئيس الوزراء وزملائي في مجلس النواب، والحكومة والشورى.
السيدات والسادة
الاخوة والاخوات
الأصدقاء الأعزاء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يطيب لي في هذه الأمسية أن أكون معكم رغم الظروف العصيبة واللحظة الحرجة من تاريخ شعبنا اليمني الأبي، الذي لا تهزه العواصف، ولا تنال من صموده وصلابة حاله انحسار او انكسار، ولا تثني من عزائمه لحظات غيم عابرة؛ هو أكبر منها وقادر على النهوض، وهو ما نزمع عليه اليوم، بأن الكبوة التي وقعت لن تثنينا عن الوصول إلى صنعاء واستعادة الدولة ومؤسساتها، وهزيمة المشروع السلالي، وإن إرادتنا اليوم أكثر صلابة وأشد عزما بردع السلالة الباغية، وأن تذهب إلى غير رجعة بمشروعها العفن وأفكارها المتخلفة، فلا مجال للشعور باليأس .. وحسبنا قول الشاعر: ( إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا، فما حيلة المضطر إلا ركوبها) وإنا والله لعازمون أن نركب الأسنة، ونهزم دعاة المشروع السلالي، وأن أياما ستواجههم، وقد ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة في أرض مفتوحة، وفي مواجهة العالم؛ فالبحر الأحمر وباب المندب ليست قضية يمنية فقط، ولكنها إقليمية ودولية، ولن نقبل أن يكون لإيران موطئ قدم فيها، وفينا قطرة دم أو نبض حياة.
وإني غير هياب أشارككم الاحتفاء بمرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية اليمنية وجمهورية الصين الشعبية.
سبعون عاما… في حساب الزمن… هي سبعة عقود.
أما في حساب التاريخ، فهي رحلة طويلة من الثقة والاحترام والتعاون… استطاعت أن تحافظ على جوهرها رغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، ورغم ما مر به اليمن والمنطقة من أحداث وصعوبات.
ولذلك، فإننا لا نحتفل اليوم بذكرى دبلوماسية فحسب، بل نستعيد تجربة تؤكد أن العلاقات التي تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة هي الأقدر على الصمود أمام تقلبات السياسة وتحولات الأزمنة والتاريخ.
أيها الأصدقاء،
إذا كان الرابع والعشرون من سبتمبر عام 1956 هو التاريخ الرسمي للعلاقات الدبلوماسية بين اليمن والصين… فإن التواصل بين شعبينا أقدم من ذلك بكثير.
لقد سبق البحرُ السياسة، وسبقت التجارةُ السفراء.
فمن موانئ اليمن القديمة، حيث حملت السفن اللبان والبخور والمر إلى أنحاء بعيدة من العالم، امتدت طرق التواصل نحو الشرق، وفي الاتجاه الآخر وصلت منتجات الصين وحضارتها إلى منطقتنا عبر شبكة التجارة التي ربطت الشرق بالغرب.
وحين وصل البحار الصيني المسلم (تشنغ خه) إلى عدن في مطلع القرن الخامس عشر، كان ذلك أكثر من وصول سفن إلى ميناء… لقد كان لقاءً بين حضارتين عريقتين، أدركتا منذ وقت مبكر أن البحر يمكن أن يكون جسرا بين الشعوب، لا أمواجا تعيق التواصل بينها.
ثم جاء عام 1956، لتدخل هذه العلاقة مرحلة جديدة، وكانت اليمن من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
ومنذ ذلك التاريخ، قامت العلاقة على قاعدة واضحة: الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.
وظل اليمن، في المقابل، ثابتا في احترامه لسيادة الصين ووحدتها، وتمسكه بمبدأ الصين الواحدة، كما يقدر المواقف الصينية الداعمة لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه.
أيها السيدات والسادة،
إن العلاقات بين الشعوب لا تقاس بالوثائق وحدها.
فالوثائق تحفظ ما تقوله الحكومات، أما ذاكرة الشعوب فتحفظ ما تراه وتلمسه في حياتها.
ولهذا، فإن الصين بالنسبة لليمنيين ليست مجرد دولة صديقة في البيانات الرسمية، بل هي جزء من ذاكرة التنمية اليمنية الحديثة: في الطرق والمصانع والمدارس والمستشفيات، وفي الأطباء والخبراء الذين جاؤوا إلى اليمن، وعملوا إلى جانب الإنسان اليمني في مدنه وقراه.
وهنا أود أن أتوقف عند معنى أعمق يعزز اعتزازنا بجمهورية الصين الشعبية، ويلفت الانتباه إلى التجربة الصينية المعاصرة، وذلك ليس فقط ما حققته الصين من تقدم اقتصادي وعلمي وتكنولوجي، وإنما أيضا الطريقة التي تقدم بها نفسها في علاقاتها مع الدول.
وهذا السلوك السياسي يمكن أن نجد له صدى بعيدا في التراث الأخلاقي الصيني، الذي يأتي في مقدمته الفيلسوف كونفوشيوس.
والصين اليوم تقف في موقع متقدم في الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، وتقدم تجربة تنموية جديرة بالتأمل، بينما يستعيد اليمن (متى استعاد أمنه واستقراره ومؤسسات دولته) قدرته على استثمار موقعه الاستراتيجي وتاريخه البحري وموانئه التي كانت عبر التاريخ جسورا بين الشرق والغرب.
ومن هنا، فإننا نتطلع إلى أن تنتقل العلاقات اليمنية الصينية إلى مرحلة جديدة: من رصيد الصداقة التاريخية والدعم والمساندة، إلى شراكة عملية أوسع في إعادة الإعمار والتنمية والاستثمار والتعليم ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
ونتطلع إلى أن يكون للصين دور فاعل في مساعدة اليمن على استعادة دولته وقدراته وبناء مستقبله.
لتجاوز هذه اللحظة الخطر التي يواجه فيها شعبنا عدوانا على أمنه وسيادته وديمقراطيته ومنجزاته التاريخية من قبل عصابة الحوثي وإيران، ويمتد عدوانها على جيرانه في المملكة العربية السعودية وأعيانها المدنية، وتقتل الإنسان وتستخدم أسلحة الدمار والخراب بعيدا عن كل القواعد والأعراف والدين والإنسانية، عدوانا غاشما وسطوا همجيا على الدولة والأرض والإنسان، وعلى مياهنا الإقليمية والمياه الدولية والممرات، والعالم يتفرج ولم يغير ساكنا.
فاليمن لا يريد أن يعود إلى الماضي… اليمن يريد أن يصنع مستقبلا يليق بتاريخه وشعبه.
وما تقول الحكمة الصينية: ((رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة)).
وبعد سبعين عاما من الصداقة، أعتقد أن الخطوة القادمة ينبغي أن تكون خطوة نحو شراكة أكثر طموحا، وأكثر ارتباطا بحياة الناس ومستقبل الأجيال.
أيها الأصدقاء الأعزاء،
ومن هذا المنطلق، نجدد تقديرنا لجمهورية الصين الشعبية الصديقة وللشعب الصيني العظيم، ونؤكد تمسك اليمن باحترام سيادة الصين ووحدتها وسلامة أراضيها ومبدأ الصين الواحدة، كما نؤكد تمسكنا بالمبدأ ذاته تجاه اليمن: سيادة، ووحدة، وسلامة للأرض والإنسان.
وفي الختام،
أيها الأصدقاء الصينيون، نحن لا نحتفل اليوم بسبعين عاما من العلاقات الدبلوماسية فحسب.
نحن نحتفل برحلة بدأت قبل قرون… بدأت عندما عبر البحر بيننا… وحملتها التجارة… ورسختها الصداقة… وأكدتها التنمية
واليوم… جاء دور المستقبل.
من عدن التي استقبلت سفن الشرق قبل قرون، إلى الصين التي أصبحت إحدى أهم قوى العالم، تمتد حكاية صداقة بين شعبين عريقين.
وإذا كان التاريخ قد كتب فصولها الأولى، فإن علينا اليوم أن نكتب فصلها القادم.
فلتكن الذكرى السبعون بداية لعقد جديد من العلاقات اليمنية الصينية؛
عقد أكثر تعاونا… وأوسع شراكة… وأعمق ثقة … وأكثر إيمانا بأن احترام الإنسان والشعوب هو الطريق إلى سلام أكثر رسوخا، وتنمية أكثر استدامة، ومستقبل أفضل.
عاشت الصداقة اليمنية الصينية… وعاش التعاون بين شعبينا الصديقين.
وليمض اليمن والصين معا نحو مستقبل يسوده السلام والتنمية والازدهار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
